المنجي بوسنينة
303
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بينهما صداقة وطيدة منذ كان الأمير مقيما في دمشق ، ولمّا استقرّ بالآستانة استجابة لطلب السلطان عبد الحميد فأرسل إلى صديقه الشيخ عبد الرزاق يدعوه إلى زيارته وأرسل إليه نفقات سفره ونفقات عياله ، فشدّ الشيخ عبد الرزاق الرّحال إليه سنة 1306 ه / 1888 م ، فاحتفى به الأمير أعظم احتفاء واستبقاه في الآستانة عاما كاملا . ثمّ قام برحلة أخرى إلى الآستانة عام 1315 ه ، وزيارة أخرى عام 1324 ه ، وفي أثنائها عرضت عليه مشيخة الإسلام أن يتولّى الإفتاء أو القضاء في أيّ مدينة يختارها من مدن سورية ، فاعتذر من عدم قبول ذلك ، لزهده في الوظائف العامة وإيثاره الانصراف إلى التدريس وطلب العلم ، وقام برحلة أخرى إلى الآستانة عام 1326 ه بعد خلع السلطان عبد الحميد وتولّي محمد الخامس بعده ، فقد أوفد أهل دمشق نخبة من علمائها لمبايعة السلطان الجديد وتهنئته ، وكان المترجم في عداد هذا الوفد . جرى الشيخ عبد الرزاق على الأسلوب الذي كان شائعا في زمنه وقبل عصره بقرون ، من التزام السجع والمبالغة في الوصف والإطراء والتمجيد ، والعناية بتزويق الكلام وتزيينه والتأنق في اختيار الألفاظ ، مع جودة لغته . وقد خضع النثر الأدبي العربي لهذه القيود اللفظية زهاء عشرة قرون . فأسلوب الشيخ عبد الرزاق ، وهو في القرن الثالث عشر ، لا يكاد يختلف اختلافا كبيرا عن أسلوب الكتّاب في القرون الماضية . وشهد له العلامة الأمير شكيب أرسلان ولصديقه جمال الدين القاسمي في مقدمته لكتاب القاسمي « قواعد التحديث » بقوله : « كان هذان الجهبذان فرقدين في سماء الشام . يتشابهان كثيرا في سجاجة الخلق ، ورجاحة العقل ، ونبالة القصد ، وغزارة العلم ، والجمع بين العقل والنقل ، والرواية والفهم ، ولم يكن في وقتهما أعلى منهما فكرا ، وأبعد نظرا ، وأثقب ذهنا في فهم المتون والنصوص ، والتمييز بين العموم والخصوص ، وكان وجودهما ضربة شديدة على الحشوية ، وتلك الطبقة الجامدة » . آثاره لم يدع الانصراف إلى التدريس للمترجم وقتا كافيا لتصنيف الكتب ، وقد خلّف مجموعة من الرسائل في موضوعات دينيّة وصوفيّة وأدبيّة . ومؤلّفاته أكثرها رسائل صغيرة ، منها : « المنّة في العمل بالكتاب والسنة » ، و « المباحث الغرر في حكم الصور » و « اللّمعة في الاقتداء حال التشهّد من صلاة الجمعة » وقام بشرح كتاب العقيدة الإسلامية الذي ألّفه محمود حمزة مفتي دمشق . على أنّ مؤلفه الذي أذاع شهرته إنّما هو كتابه المطوّل « حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر » وهذا المؤلّف يجري فيه على سنن مؤلفين قبله أرّخ كلّ منهم لعصره ، ومن هذه المؤلّفات كتاب العلامة ابن حجر « الدرر الكامنة في أعيان السنة الثامنة » ، وجاء بعده السخاوي محمد بن عبد الرحمن ( ت 902 ه ) فألّف كتابه « الضوء اللّامع في أعيان القرن التاسع » ، وألّف بعد ذلك محمد أمين المحيي الدمشقي كتاب « خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر » في أربعة مجلّدات ، وألف بعده محمد خليل المرادي الدمشقي ( ت 1206 ه )